Logo_Header
bg
Nuclear personality before nuclear plant i don't charge for being fair
HAPPY SUPPLIER +
HAPPY OWNER =
SUCCESSFUL PROJECT
الامام الغزالي – ظاهرة علمية
18 January 2023

يهاجم الأفاضل الامام ابو حامد الغزالي رحمه الله و يتهمونه بمعاداة العلوم الطبيعية، و خاصة الرياضيات. في الحقيقة، قد اعتدت سماع الافاضل و المخلصين ممن يتكلمون في سيرة الامام الغزالي بالطعن و القدح و الذم. فعزمت أن أبحث في مصداقية التهمة بالرجوع الى آراء المختصين من العلماء و الباحثين، فتيقنت بأن التهمة عارية من الحقيقة و الانصاف، و أن الامام الغزالي رحمه الله كان يحترم العلوم بكل وضوح. و اليكم خلاصة بحثي و المراجع التي استندت عليها.

سؤال البحث: هل كان الامام أبو حامد الغزالي يحارب العلوم الطبيعية كالرياضيات، و هل كان بذلك سبباً في إنحدار الحضارة الإسلامية؟

إنه أَبْو حَامِدْ مُحَمّد الغَزّالِي الطُوسِيْ النَيْسَابُوْرِيْ الصُوْفِيْ الشَافْعِي الأشْعَرِيْ، أحد أعلام عصره وأحد أشهر علماء المسلمين. ولد في مدينة طوس الإيرانية عام ٤٥٠ هجرية، و توفي في مسقط رأسه عن عمر يناهز الخمسة و الخمسين.

في المقطع الأول و هو بعنوان "لم يكن أبو حامد الغزالي سببا في إنحدار العلم الإسلامي كما ادعى نيل ديغراس تايسون"، يرد الدكتور جوزيف لومبارد (Joseph Lumbard) و هو استاذ العلوم القرآنية، على زعم عالم الفلك الأمريكي نيل ديغراس تايسون (Neil Tyson) بأن الغزالي كان سببا في إنحدار العلوم و الحضارة الإسلامية لإيمانه بأن الرياضيات من عمل الشيطان! و يرفض الدكتور لومبارد رأي الدكتور تايسون لسببين:

الأول، أن الامام ابو حامد الغزالي لم يقل بأن الرياضيات من العلوم الشيطانية!

ثانيا، لم تنحدر العلوم الحسابية و لم تتأثر علم الرياضيات سلباً بعد وفاة الامام الغزالي كما يدعى نيل تايسون، فالعصر الذهبي للعلوم الفلكية في العالم الإسلامي بدأ بعد وفاة الامام الغزالي في القرن الثاني عشر، إذ تأسست أعظم المراصد الفلكية الإسلامية في القرنين الثالث عشر و الخامس عشر، كالذي في مراغة و سمرقند.

إذاً، ماذا قال الامام الغزالي في شأن الرياضيات؟

للرد على هذا السؤال، يستند الدكتور لومبارد الى كتاب الامام الغزالي "إحياء علوم الدين" و يقرأ في المجلد الأول و بالتحديد في كتاب العلوم، ترجمة الدكتور Kenneth Honerkamp’s، الصفحة ٣٨:

"As for the praiseworthy disciplines, such as medicine and mathematics, they are associated with worldly benefits, and that category is divided into those that become a communal obligation (فرض الكفاية) and those that are of great merit but are not an obligation"

ترجمة ما سبق: "أما التخصصات الجديرة بالثناء، مثل الطب و الرياضيات، فهي مرتبطة بفوائد دنيوية، وتنقسم هذه الفئة إلى تلك التي تصبح فرض الكفاية، و تلك التي لها ميزة كبيرة ولكنها ليست فرضاً"

و عليه، يستنتج الدكتور لومبارد بأن: الامام الغزالي يعتبر علم الرياضيات فرض كفاية، و هذا دليل على اعتقاده بضرورته و اهميته في الحضارة الإسلامية. بل يستمر الامام الغزالي ليقول بأن لولا علماء الرياضيات، لعَمَّت الشدائد و المعاناة في المجتمعات. لذلك، يرى الامام الغزالي أن علم الرياضيات فرض كفاية و حاجة ماسة. كما يذكر الامام الغزالي في الصفحة ٥٦ من النسخة المترجمة لكتاب "إحياء علوم الدين":

Its a praiseworthy discipline, but nonetheless if you fear that somebody will exceed the bounds in it, they should be prevented from studying it.

ترجمة ما سبق: "إنه علم جدير بالثناء، ولكن مع ذلك إذا كنت تخشى أن يتجاوز شخص ما الحدود فيه، فيجب منعه من دراسته"

و يعلق الدكتور لومبارد على الفقرة السابقة قائلاً: هنا، لا يُضيِّق الامام الغزالي النطاق على علم الرياضيات بذاته، لأنه يقول هذا في شأن كل العلوم التي يمكن إساءة إستعمالها لجلب الفساد للذات أو للمجتمع. في الحقيقة، الامام الغزالي لم يتطرق كثيرا لعلم الرياضيات بقدر ما حذر من إساءة استعمال العلوم الشرعية، أي أن الامام الغزالي كان يدافع عن نقاوة العلوم.

و لم يقبل المجتمع العلمي كل ما قاله الامام الغزالي، فقد كانت البيئة العلمية آن ذاك نشطة و حية، فكثرت فيها المناظرات و الحوارات العلمية التي عارضت أفكار و آراء الامام الغزالي، و الكثيرين إختلفوا معه، و المجتمع لم يتبع كل ما كان يقوله الامام الغزالي، و هذا خلاف ما يتوهمه أمثال نيل ديغراس تايسون.

و يستمر الدكتور لومبارد ليقول: و لا يوجد في الموارد التاريخيه ما يثبت إدعاء البروفيسور تايسون في أن العلوم واجهت إنحداراً و إنكساراً من بعد الامام ابو حامد الغزالي و بسبب أفكاره. فالعلم في العالم الإسلامي إستمر في النمو الى عهد الخلافة العثمانية. ثم إن أتباع الامام الغزالي أمثال عمر الخيام، نشر كتباً رياضية عن الجبر و تم تدريسها لعدة قرون. كما دافع نصير الدين الطوسي عن افكار الامام الغزالي، و هو من أهم علماء الفلك في التاريخ، و هو من أقنع الحاكم أن ينشأ مرصد مراغة الفلكي و أصدر ١٢٥ مذكرة في الفلسفة و العقيدة و العلوم و الرياضيات .. الخ. و الطوسي هو من كتب ٥ مجلدات في الرياضيات، و إستمر العلماء في التعليق على مذكرات الطوسي الفلكية الى القرن السادس عشر، و العالم عبدالعلي البرجندي كان من أشهر من علق على كتب الطوسي في كتابه الذي أسماه "التذكرة في علم الهيئة" و كانت تدرس الى القرن السابع عشر. و استمرت ثقافة بحوث الرياضيات و الفلك، و كان علي القشجي أول من برهن رياضيا على دوران الارض، و بدأ عمله من المرصد الفلكي في سمرقند ثم انتقل الى الإمبراطورية العثمانية و كان فعالا و مؤثرا و له طلاب كثر، و ترجمت أعماله الرياضية و الفلكية في عام ١٦٥٠ الى اللغة اللاتينية و كانت تدرس في الغرب اللاتيني. و هكذا، إستمرت العلوم الطبيعية في النماء من بعد الامام الغزالي. و عليه، يستنتج الدكتور لومبارد أن ما يدعيه نيل تايسون مجرد قصة متداولة و ملائمة، و لا تستند الى دلائل تاريخية.

و في المقطع الثاني و هو بعنوان "هل كان الغزالي سببا في إنهيار الفلسفة و العلوم؟"، يؤكد الباحث فرانك غريفل (Frank Griffel) في بحثه الجادAl-Ghazali's Philosophical Theology، بأن الامام أبو حامد الغزالي لم يكن سبباً في إنحدار العلوم و القضاء على الفلسفة، كما هو شائع. و في الدقيقة ١١ من المقطع، يقول فرانك غريفل:

"The other thing that fascinated me is that Al-Ghazali thought about sciences in a very very modern way. This was certainly a surprise to me, but it was more of a surprise to those who always thought that Al-Ghazali was one of the people who had destroyed the sciences in Islam. I think nothing is further from the truth. In fact, he is someone who supported the sciences, who wanted to find the cosmology that actually leads to first of all acknowledging God as the creator of the world, but also in helping the scientists to pursue the sciences. So in a nutshell, I might say he thought in his cosmology (that did not have the Big-Bang) but if we would translate his cosmology to the Big-Bang as God the creator of the Big-Bang, God created the Big-Bang and from that moment on all the causes and effects that have unfolded since then was necessity, are meditated God creation. In this case, God deliberately choose, one might say, how to create the Big-Bang and everything that has happened since then is in this case a casual affect of this one event that God actually put in this world, which I thought was a very fitting way for a theologian to think about this universe."

ترجمة ما سبق: "الشيء الآخر الذي أبهرني هو أن الغزالي نظر في العلوم بطريقة حديثة جدا. كانت هذه بالتأكيد مفاجأة بالنسبة لي، لكنها كانت مفاجأة أكبر لأولئك الذين اعتقدوا دائما أن الغزالي كان أحد الأشخاص الذين دمروا العلوم في الإسلام. أعتقد أن لا شيء أبعد من ذلك عن الحقيقة.  في الواقع، إنه شخص دعم العلوم، وأراد أن يجد علم الكونيات الذي يؤدي إلى الاعتراف أولا وقبل كل شيء بالله كخالق للعالم، ولكن أيضا أرد تمكين العلماء من متابعة تلك العلوم. لذلك، و باختصار، قد أقول إنه اعتبر في علم الكونيات الخاص به (الذي لم يشمل الانفجار العظيم) ولكن إذا ترجمنا علم الكونيات الخاص به إلى الانفجار العظيم باعتباره الله خالق الانفجار العظيم، فقد خلق الله الانفجار العظيم ومنذ تلك اللحظة، كانت جميع الأسباب والآثار التي تكشفت منذ ذلك الحين ضرورية و من خلق الله. في هذه الحالة، يختار الله عمدا، كما يمكن للمرء أن يقول، كيفية خلق الانفجار العظيم وكل ما حدث منذ ذلك الحين هو في هذه الحالة تأثير عرضي لهذا الحدث الوحيد الذي وضعه الله فعلياً في هذا العالم، و الذي اعتقد أنه طريقة مناسبة جدا لعالم الاهوت للتفكير في هذا الكون"

و في المقطع الثالث نشاهد محاضرة في المنتدى الإسلامي بالشارقة بعنوان "تهافت الفلاسفة أ. د. فتحي الزغبي"، حيث ينفي المحاضر أن يكون الامام الغزالي سبباً في انحدار الحضارة الإسلامية بسبب معاداته للعلوم الطبيعية كالرياضيات. يقول الاستاذ و الدكتور فتحي الزغبي:

الامام الغزالي لم يؤلف كتابه و لم يتكلم في الفلسفة الا بعد أن أصبح مختصا في الفلسفة، و بلغ درجة أعلام الفلسفة، كإبن سينا. و بهذا، وضع الامام الغزالي لنا منهجا لنتمثل به، و هو وجوب التخصص و التعمق في العلوم حتى يساوي الباحث مرتبة أعلام المذهب قبل التكلم في المذهب. لذلك، تخصص الامام الغزالي في علوم الطالبين للحقيقة، كعلم الكلام، الفلسفة، الباطنيه و الصوفية. و في هذا الصدد، يقول الامام الغزالي في النهاية: "فعلمت أن رد المذهب قبل فهمه و الاطلاع على كنهه، كأن إنساناً يرمي و هو أعمى".

و عليه، كان الغزالي أول من شن هجمة منظمة على الفلاسفة، فدرس الفلسفة في ثلاث سنوات، و قبل أن يؤلف كتاب "تهافت الفلاسفة" ألف كتاب "مقاصد الفلاسفة" ليثبت بذلك بانه أصبح من المؤلفين و المختصين في علم الفلسفة. و قسم الامام الغزالي الفلاسفة الى ثلاثة أصناف:

الاول، الدهريون، و هم من ينكرون الصانع أو الخالق و الآخرة.

الثاني، الطبيعيون و هم ينكرون اليوم الآخر.

الثالث، الإلهيين أمثال سقراط و ارسطو (المعروف بالمعلم الاول).

الامام الغزالي ترك الدهريون و الطبيعيون و ركز على الالهيين، لأنهم أكثرهم خطورة و فتنة. فالأنسان لن يتأثر و ينخدع بما يقوله الدهريين و الطبيعيين، ولكنه ينخدع بالالهيين الذين يزعمون أنهم يؤمنون بالاله و لكنهم يناقضون العقائد و التشريعات.

و الفلسفة في زمن الامام الغزالي كان معروفاً بأم العلوم أو شجرة العلوم، بمعنى أن الفيلسوف كان عالما في الطب و النفس و الاجتماع و الفلك و الرياضيات و الفقه و القضاء، أو كل ما يتعلق بالله و العالم و الإنسان. لذا، قسم الامام الغزالي هذه العلوم الى ستة أقسام: الرياضيات، المنطقيات، الطبيعيات، الالهيات، السياسيات و الخُلُقيات. و اعتبر أقسام كثيرة من هذه العلوم لا علاقة لها بالدين و لا تصطدم بالدين. ثم انتقد اؤلئك الذين إعتبروا إنكار هذه العلوم خدمة دينية و نصرة للإسلام. فعلى سبيل المثال، قال أن العلوم الرياضية لا تتعرض للدين و لا يتعرض الدين لها، لا بالنفي و لا بالاثبات.

لكنه ذكر أن هناك آفتين تولدتا من تجمع هذه العلوم النقية تحت مظلة واحدة (الفلسفة)، و الآفتان هما آفة في حق القابل لتلك العلوم و آفة في حق الراد لتلك العلوم:

أما آفة القابل للعلوم يكون في أن يرى ما في الرياضيات من توثيق للبراهين، و من ثم يعتبر كل ما يقوله الرياضي (الفيلسوف) في الالهيات أيضا صحيح و دقيق، و هذه فرضية لا تصح. و مثله في ذلك كمثل من ينظر في عصرنا إلى الطفرة العلمية و الفنية في أوروبا و امريكا و الغرب بشكل عام، و من ثم يعتبرهم أيضا على حق في الدين و الأخلاق، و هذه فرضية لا تصح.

أما الذين إبتلوا بآفة الراد للعلوم، فسماهم الامام الغزالي "الصديق الجاهل للاسلام"، و هو من يزعم بوجوب إنكار هذه العلوم و يظن بذلك أنه ينصر الدين، و مثله في ذلك كمثل من ينكر في عصرنا علم النفس و علم الاجتماع بحجة أنها علوم غربية كافرة و ينبغي التخلص منها. و هذه أيضا فرضية خاطئة و خطيرة، فلا يمكننا أن نرفض كل العلوم الغربية من غير دراسة و تفحص، لنرفض ما يخالف الدين بعلم و فهم. و كأن الامام الغزالي كان يقول، أن الحاذق في صناعة واحدة ليس يلزم أن يكون حاذقا في كل الصناعات. فتقدم الغرب في العلوم لا يدل على تقدمهم في الأخلاق و الالهيات و الأديان. يقول الامام الغزالي في كتابه المنقذ من الضلال "عظم على الدين جناية من ظن ان الاسلام يُنصَر بانكار هذه العلوم" (و هذا يؤكد بأن الامام الغزالي كان يسعى لتمكين العلماء من الإستمرارية و السعي في ممارسة العلوم الطبيعية، كما قال فرانك غريفل).

و يرى الامام الغزالي أن الأخطاء و الأغاليط حصلت عندما أدخل الفلاسفة أنفسهم في أمور الالهيات النظرية و تكلموا بالاوهام. فألف الامام الغزالي كتابه "تهافت الفلاسفة" و قرر أن يركز فيه على آراء إبن سينا و الفارابي و معلمهم الأول أرسطوا، و حدد بذلك الكلام بهم فقط من باب الاختصار. و لذلك، قال الإمام الغزالي "لو كانت علومهم الالهية متقنة البراهين، نقية عن التخمين كعلومهم الحسابية و المنطقية، لما اختلفوا فيها كما لم يختلفوا في الحسابية و غيرها".

و عليه، قسم الامام الغزالي الفلسفة الى ثلاثة أقسام، ترك منها قسمان و هما القول بالجوهر و ممارسة العلوم الطبيعية. لذلك، لم يحارب العلوم الطبيعية و لم يجدها تعارض الشرع، بل يقول في كتابه "أعظم ما يفرح به المُلحده، أن يصرح ناصر الشرع بأن هذا و أمثاله على خلاف الشرع". و إنما ركز بحثه في القسم الثالث، و هو النزاع في أصل من اصول الدين، كالقول في حدوث العالم و صفات الصانع و بيان حشر الأجساد و الأبدان و غير ذلك من الأمور الالهية. و قسم الامام الغزالي مجموع ما أخطأوا به الفلاسفة في الالهيات الى عشرون أصلاً، و أوجب تكفيرهم في ثلاثة و تبديعهم في سبعة عشر، و صنف كتابه "تهافت الفلاسفة" لإبطال تلك المذاهب و الاصول. أما الامام ابن تيمية، فقد أتى من بعده و كفَّر عشرة من تلك الاصول.

و رغم أنه كان أشعرياً، إلا أن الامام الغزالي قرر أن يواجه هذه المذاهب الفلسفية كمسلم سني، فاستعان في مواجهته للفلاسفه بأسلحة و مناهج جميع الطوائف السنية، بما فيهم خصومه من المعتزلة. فقد كان يرى خطورة الفلاسفة تهدد الدين و جميع المنتسبين اليه، و قال في هذا الصدد "فأنا لا أدخل عليهم الا دخول مطالب منكر، فأكدر عليهم ما اعتقدوه، فالزمهم تارة مذهب المعتزلة و طورا مذهب الواقفة، و مذهب الكَرَّامية و غيرها، و لا انتهض ذاباً عن مذهب مخصوص، بل أجعل جميع الفرق إلباً واحدا عليهم. فإن سائر الفرق ربما خالفونا في التفاصيل، و هؤلاء (الفلاسفة) يتعرضون لأصول الدين. فلنتظاهر عليهم، فعند الشدائد تذهب الأحقاد".

كما ذكرنا، اوجب الإمام الغزالي تكفير ثلاثة اصول في الفلسفة:

الأمر الاول، إنكار حشر الأجساد، و قالوا ان الجنة و النار و الأنهار و الثمار و غيرها مجرد أمثلة ضربت لعوام الناس للتخويف و الترغيب فقط، و لا وجود للجنة و النار. و ابن سينا كان يعتقد باللذة و العقاب المعنوي و ليس الحسي. و هذا الفكر منشأه ما قاله أرسطوا عن قدم العالم و الذي يعني ازلية العالم، أي أن العالم مستمر للأبد و لن ينتهى بيوم اسمه القيامة. و إبن سينا يقول بأن الانبياء اضطروا أن يكذبوا من أجل مصلحة العوام، و ذلك لعجز العوام عن فهم و تقبل العالم المعنوي. و هذا يفسر تصريح إبن سينا في بعض كتبه عن البعث جسديا، و أنه كان يكذب على العوام من أجل مصلحتهم، و هذا يتضح من خلال مخطوطة له اسمها "الاضحوية في المعاد" يصرح فيها إبن سينا للخواص بلا مواربة، انكاره للبعث و الجزاء الجسماني. و لهذا يعاتب إبن الرشد الامام الغزالي في كتابه "تهافت التهافت" بأنه كشف امورا لم يصرح إبن سينا بها للجمهور. و هذه الأفكار تخالف العقيدة الإسلامية التي تتكلم عن الحياة روحاً و جسداً بعد الموت و عن ما لا عين رأت و لا أذن سمعت و لا خطر على قلب بشر، و آيات حسية و صريحة كالتي تقول {كُلَّمَا نَضِجَتۡ جُلُودُهُم بَدَّلۡنَـٰهُمۡ جُلُودًا غَیۡرَهَا لِیَذُوقُوا۟ ٱلۡعَذَابَۗ} سورة النساء الآية ٥٦.

الأمر الثاني، أن الله يعلم الكليات دون الجزئيات، و في هذا تقليد لأرسطوا الذي كان يتصور الإله بأنه عاطل و أنه المحرك الذي لا يتحرك و أنه لا يعلم شيئاً، و هو أشبه بالملك الذي يملك و لا يحكم، فأنزلوا الله منزلة الجاهل و العياذ بالله. و يقول أرسطوا أن الله عاقل و معقول، فلا يعقل الا نفسه، و العياذ بالله. و إبن سينا كان يقول بأن الله يعلم الاشياء علما كليا و لا يعلم بالجزئيات، و أن الله يعلم أن هناك اناس ولكنه لا يعلم بحال زيد و خالد و عمر، و أن الله لا يعلم إن كان خالد يعبده ام لا، و أن الله يعلم أن هناك أنبياء ولكنه لا يعرف أن هناك محمد و عيسى و نوح .. الخ. و هذا الفكر يخالف العقيدة الإسلامية التي تقول بأن الله هو من يدير الكون و يعلم كل التفاصيل، كحركة النملة السوداء على الصخرة السوداء في الليلة الظلماء.

الامر الثالث، القول بقِدَم العالم، أي أن الله يتقدم على العالم بالرتبة و ليس بالزمان، و كان أرسطوا يؤمن بأن الله لم يخلق العالم، و هذا يخالف العقيدة الإسلامية و التي تقول بأن العالم لم يكن، و خلقه الله بأمره من العدم، و ذلك بأن يقول كن فيكون. و سَلِمَ فيلسوف العرب و اول فلاسفة المشرق يعقوب بن إسحق الكندي من التكفير، إذ خالف أرسطوا و قال بحدوث (خلق) العالم.

أما الفارابي و إبن سينا فقالا بقدم العالم و حاولا تفسير القدم بما لا يتنافى مع العقيدة الإسلامية، ولكنهما كانا في الأصل مؤمنين بما قاله أرسطوا. و إبن الرشد أكد في مناقشته للغزالي أن الفارابي و إبن سينا أتوا بكلام أضر بالفلسفة، و كان إبن الرشد مخالفاً تماما معهما في هذه القضية. فجاء تهكم الغزالي و نقده اللاذع لهما علاجاً لعقول كانت قد خضعت لتلك الافكار الركيكه.

و البعض دافع عن الفارابي و إبن سينا بحجة أن ما قالاه كان تنزيها لله و ليس زندقة، و ربما لو عاصرا الامام الغزالي و وجدا مثله من يبين لهما، لربما رجعا عما قالاه. لكن لم يرد عليهما احد في عصورهم،  فاعتقدا أن رأيهما هو الصحيح. بالضبط كما فعل الخليفة العباسي المأمون، الذي اعتقد أن موقفه من خلق القرآن كان نصرة للدين، لدرجة انه اوصى بها أخاه، و الاخير أوصى بها إبنه، الى أن أتى المتوكل على الله و رفض أن يستمر في نهج من كان قبله.

و يذكر الاستاذ الدكتور فتحي الزغبي اثناء المناقشة أن كتاب التاريخ لابن خلكان ذكر أن إبن سينا تاب الى الله في آخر عمره و تصدق بكل ما يملك و اعتق كل مماليكه، و صار يختم القرآن كل ثلاثة أيام. و لذلك،  توقف الامام الذهبي عن تكفيره بسبب ما أثر عنه، ولكن لابد من تكفير الاراء الصريحة و المخالفة للشريعة و العقيدة. أما الأشخاص فامرهم الى الله.

و يمكننا أيضا أن نعذر أرسطوا الذي عاش عصرا كانت الديانة اليونانية تتكلم عن الالهة و زوجاتهم. و عليه، يعتبر ما قاله في ذاك الوسط الوثني شيئا قيما.

و الامام الغزالي كان يقصد بكتابه "تهافت الفلاسفة" أن يقول لهم: استخدموا عقولكم في الرياضيات و غيرها من العلوم، لكن لا تستخدم عقلك في الالهيات الا بفهم الشرع، لأنه تَمَسُّكٌ بالعقل في غير ميدانه. و الكثيرين من الفلاسفة انتهوا الى ما انتهى اليه الغزالي، و منهم ديكارت و هو أبو الفلسفة الحديثة. إذاً الغزالي ليس بدعا في الاولين و لا في الاخرين، اذا هاجم هذا النوع من الفلسفة. و الإمام الغزالي ازال القدسية عن الفلسفة، و لم تعد الفلسفة الوثن الذي يُرهَب و لا يُمَس، و وضع الفلسفة في قفص الاتهام و اضطرها أن تقف موقف الدفاع بعد أن كانت في موقف الهجوم.

و ننهي هذا البحث بالمقطع الخامس و هو بعنوان "لماذا خسر المسلمون الحضارة العربية | بودكاست فنجان"، حيث يبين الدكتور جورج صليبا السبب الحقيقي الذي أدى الى تراجع الحركة العلمية في الحضارة العربية و الاسلامية. الدكتور صليبا مفكر لبناني الأصل مقيم بالولايات المتحدة الأمريكية، و هو أستاذ للعلوم العربية و الإسلامية في جامعة كولومبيا، نيويورك، بالولايات المتحدة الأمريكية منذ عام ١٩٧٩، و له عدة كتب وأبحاث حول تاريخ العلم العربي. يقول الدكتور صليبا و بالتحديد في الساعة/الدقيقة ١:٢٥:

عند البحث عن الأسباب التي أدت الى تراجع الحركة العلمية في الحضارات الشرقية (و منها الحضارة العربية و الاسلامية) و انتعاشها في الغرب، لابد أن نوافق على تفسير آدم سميث (Adam Smith) و هو أب الاقتصاد الحديث. و يجيب آدم سميث على السؤال بالنظر في أحداث القرن الخامس عشر الميلادي، و بالذات في اكتشاف أمريكا و اكتشاف طريق بحري جديد و بديل للطريق البري القديم (طريق الحرير)، يوصل الى خيرات الهند و الصين بالالتفاف بحرا على القارة الافريقية. هذه الاكتشافات حولت مسار حركة التجارة التي كانت عبر البلدان العربية و الاسلامية براً الى مسار بديل عبر البلدان الأوروبية و المسيحية بحراً. و تسببت هذه التحولات في الخطوط التجارية في تدهور و ركود اقتصاديات الحضارة العربية و الاسلامية و افتقارها، إذ أدت تلك التحولات الى التقليل من التجارة و من ثم التقليل من واردات أموال الضرائب. عندها و لسوء الاوضاع الاقتصادية، أصبح من الصعب على الحضارة الاسلامية الشرقية أن تستمر في تمويل المؤسسات العلمية، و ليس بسبب الاسلام كدين أو كتاب "تهافت الفلاسفة" (لا الفلسفة) و الذي الفه الامام الغزالي في القرن الثاني عشر الميلادي. كيف يمكن أن نتهم الامام الغزالي بالتسبب في تراجع الحركة العلمية، و نحن نعلم بأن المؤسسات العلمية بقت منتعشة لقرون عدة من بعد الامام الغزالي من خلال العديد من المراكز العلمية و على يد العديد من العلماء، و منهم شمس الدين الخفري؟!

و يضيف الدكتور جورج صليبا بأن ما يؤكد على براءة الاسلام و الامام الغزالي من تهمة التأثير سلباً على الحركة العلمية، هو أن تغيير حركة التجارة و ما يصاحبه من الركود الاقتصادي قد ضربت حضارات شرقية أخرى كالهندية و الصينية، و كانت علومها في القرن الخامس عشر عريقة و منافسة للعلوم العربية و الأوروبية، و لم يكن للامام الغزالي تاثير عليهم. و هذا يؤكد على أن الذين يتهمون الاسلام كدين او الامام الغزالي بالاضرار بالحركة العلمية إنما يعانون من التعصب الأعمى، و يُقَيِّمون علاقة الاسلام بالعلم بمقياس أوروبي ضيق من خلال مقارنتها بالعلاقة المتدهورة بين الكنيسة و العلم. هذا هراء! و الحقيقة أن هناك علاقة قوية بين الاوضاع الاقتصادية و العلم، و أن إذا توقفت التجارة فستتوقف استدرار الأموال، و عندها يتوقف الدعم الفكري و الصناعي و غيرها من الامور التي تتسبب في الانحدار.

و بالرغم من كل ما سبق، قد يقول قائل:

إفتح صفحة غوغل و أكتب: حكم دراسة الفلسفة. ثم ادخل على الصفحات التي تحرم الفلسفة، و ستجد ان رأي الغزالي و تأثيره على المسلمين لا يزال ساري المفعول الى الان. فكيف بعد هذا يمكن ان يُقال ان الغزالي لم يكن سببا في تخلف المسلمين وتراجعهم في العلوم الطبيعية؟

اقول: لو عملنا بمنهجيتك و فتحنا صفحة غوغل و كتبنا "الإرهاب الاسلامي"، فسنجد القرآن و الرسول صلى الله عليه و سلم، من اشهر مصادر الإرهاب في العالم. فهل ستعتمد انت هكذا نتائج؟!

ام انك ستطالب الباحثين في الإرهاب بالحياد، و بأن يقرؤا القرآن و سيرة المصطفى صلى الله عليه و سلم، و من ثم يحكموا اذا كانا من مصادر الارهاب ام لا؟!

كنت أظن أن الحكم على الإمام الغزالي رحمه الله يكون فقط بالاستناد الى ما كَتَبَهُ الغزالي في كُتُبه، و ليس ما يدعيه الغوغاء على الإنترنت!

فمن ينتهج هذا النهج، سيجد في كتب الامام الغزالي نصوصاً صريحة في احترامه للعلوم الطبيعية، بل و اعتبارها "فرض كفاية". و تلك النصوص الصريحة تغنينا عن الكثير من الآراء الشخصية التي يُغرِقُ بها الرعاع شبكة الإنترنت!

الامام الغزالي رحمه بريء عن ما ينسبه اليه الأعداء، الأصدقاء و غوغل من تهمة محاربة العلوم الطبيعية، تماما كما أن القرآن و الرسول صلى الله عليه و سلم بريئآن من ما ينسبه اليهما الأعداء، الأصدقاء و غوغل من تهمة الارهاب!

فمنذ ان تصديت لمعرفة حقيقة موقف الامام الغزالي من العلوم الطبيعية، واجهت علماء ثقات من مختلف الثقافات و الاثنيات، ينقلون نصوصاً صريحة من كتب الامام الغزالي مباشرة، يرفع بها الامام من شأن العلوم الطبيعية، بل يعتبرها "فرض كفاي.

أبعد هذا، تتوقع أن أصدق إفتراءات على الإنترنت مصدرها المستشرقين، و تتهم الأمام الغزالي بمحاربة العلوم الطبيعية؟!

ثق تماماً بأن ما يشجع فرسان غوغل الشجعان على التسرع في اتهام الامام الغزالي، هو علمهم بانهم في امان من المساءلة القانونية. أقسم بالله العظيم، لو اصبح كل من يكتب عن الامام الغزالي على الإنترنت عرضة للمساءلة القانونية و غرامة قدرها مليون دولار أو سجن لفترة ٢٠ سنة، لمسح كل الطاعنين في الامام الغزالي ما كتبوه على الإنترنت، إلا من رحم ربي!

و قد يقول القائل:

ان الغزالي لم يكن شخص عادي يعبر عن رأيه في كتاب او مقال، و انما شخص ذو سلطة دينية و علمية واسعة النطاق، لذا فإنه من المغالطة ان يقول قائل ان الغزالي لم يجبر احد على تبني اراءه!

اقول: بعد الاطلاع على أفكار الامام الغزالي المنصوصة في كتبه، تبنى علماء كثر (في عصرنا) من مختلف الثقافات و الاثنيات افكار الامام الغزالي، و على خطاهم تبنيت شخصيا أفكار الامام الغزالي. فهل اجبرنا الامام الغزالي رحمه الله على تبني آرائه؟ حدث العاقل بما يعقل!

فقياساً بالحاضر، انا على يقين بأن الغالبية العظمى من العلماء و المثقفين المحايدين في زمانه اقتنعوا مثلنا بآراء الامام الغزالي المتينة و المحكمة، من دون ضغوط، بل المغالطة أن ندعي عكس ذلك.

و ربما اضطر فلاسفة اللاهوت (الكهنة) على السكوت بعد أن اثبت الامام الغزالي تفاهتهم. ولكن هذا لا يعتبر إسكات لفلاسفة العلوم الطبيعية. فشتان بين علماء العلوم الطبيعية الأجلاء ممن عكفوا على الحساب و القياس، و كهنة تكلموا في اللاهوت على خطى فلاسفة اليونان و ضرباً بالغيب.

و قد يقول القائل:

تدعون ان الغزالي حرم الفلسفة فقط. هذا الكلام نابع عن عدم درايتكم بطريقة التعليم في ذلك الزمن. فالفلسفة كانت المدخل لكل العلوم. فلم يكن ممكناً أن تدرس الرياضيات و الفيزياء و الفلك و غيرها من العلوم الطبيعية قبل ان تدرس الفلسفة و المنطق، وتعرف اراء من سبقك من كبار الفلاسفة كابن سينا و الفارابي و ارسطو!

اقول: قد شطرت الذرة يا شاطر!

ليس سراً ان الفلسفة في زمن الامام الغزالي كانت تشمل العلوم الطبيعية كالرياضيات و الفيزياء و الطب و الفلك، ولكنها كانت تشمل أيضا علم اللاهوت. و قد تعلمت هذا من كل الباحثين المحايدين، و الذين برَّؤا الامام الغزالي من تهمة معاداة العلوم الطبيعية.

إن ظنك بان غيرك لا يعلم حدود علم الفلسفة قديماً دليل على انك بنيت قناعاتك الشخصية من غير ان تسمع لانصار الامام الغزالي، و هذا بعيد كل البعد عن الحياد العلمي.

اكرر، كل من يدرس فكر الامام الغزالي بحياد، سيرى بكل وضوح بأن الامام فرَّق بين البحث في العلوم الطبيعية الجميلة و البحث في علم اللاهوت.

و يقد يقول القائل:

الغزالي كفَّرَ الفلاسفة في مسائل خالفهم فيها!

اقول: الامام الغزالي لم ينكر الفسلفه بشكل عام و لم يحرمها، و انما اثبت فشل الفلاسفة و تناقض آرائهم فيما يتعلق باللاهوت، و ما عدا ذلك لم ينكر اي شي منها. تهافت الفلاسفة هو كتاب الإمام الغزالي، و اعتبر البعض هذا الكتاب ضربة لما وصفه البعض باستكبار الفلاسفة و ادعائهم التوصل إلى الحقيقة في المسائل الغيبية بعقولهم. فقد أعلن الامام الغزالي في كتابه "تهافت الفلاسفة" فشل الفلسفة في إيجاد جواب لطبيعة الخالق، و صرح أنه يجب أن تبقى اهتمامات الفلسفة في المسائل القابلة للقياس و الملاحظة، مثل الطب و الرياضيات و الفلك. و اعتبر الامام الغزالي محاولة الفلاسفة في إدراك شيء غير قابل للإدراك بحواس الإنسان منافيا لمفهوم الفلسفة أساسا!

و قد يصر القائل و يستنتج:

ابو حامد الغزالي كان كارثة ضربت العلوم الانسانية في العالم الاسلامي بمقتل عظيم!

اقول: بل الكارثة اخي الفاضل أن تصر على إتباع قطيع المستشرقين و تخوض في ذمة العلماء مع الخائضين، و تضرب بما نصه الامام الغزالي في كتبه عرض الحائط!

و بعد كل هذا، إن كنت ما زلت مصراً على إتهام الامام الغزالي بمعاداة العلوم الطبيعية، فلا بد أن أسألك: لماذا تكره الامام الغزالي؟!

و يبقى الامام الغزالي بشرا و مجتهدا، يخطأ و يصيب، و يبقى إتهامه بالتسبب في تراجع العلم في العالم الإسلامي بسبب تحريمه للعلوم و الرياضيات، جوابا مريحا بالنسبة للكثيرين، و إن كان بلا أساس.

المقطع الاول: "لم يكن أبو حامد الغزالي سببا في إنحدار العلم الإسلامي كما ادعى نيل ديغراس تايسون"، يرد الدكتور جوزيف لومبارد (Joseph Lumbard)

https://youtu.be/5SAMmaSYjYc

المقطع الثاني: "هل كان الغزالي سببا في إنهيار الفلسفة و العلوم؟"، يؤكد الباحث فرانك غريفل (Frank Griffel) في بحثه الجاد Al-Ghazali's Philosophical Theology

https://youtu.be/ntACcOAu04M

المقطع الثالث: "تهافت الفلاسفة أ. د. فتحي الزغبي" 

https://youtu.be/QYGQOAaJBGU

المقطع الرابع: "تهافت الفلاسفة أ. د. فتحي الزغبي"

https://youtu.be/xBGNP6hV3Og

المقطع الخامس: "لماذا خسر المسلمون الحضارة العربية | بودكاست فنجان" جورج صليبا

https://youtu.be/Sl24jUcidN8

رحم الله الامام الغزالي و علماء المسلمين!

2 Arabs
3 Others
4 Muslims
6 بالعربية
bg
Logo_Header
The latest articles
الامام الغزالي – ظاهرة علمية
18 January 2023

يهاجم الأفاضل الامام ابو حامد الغزالي رحمه الله و يتهمونه بمعاداة العلوم الطبيعية، و خاصة الرياضيات. في الحقيقة، قد اعتدت سماع الافاضل و المخلصين ممن يتكلمون في سيرة الامام الغزالي بالطعن و القدح و الذم. فعزمت أن أبحث في مصداقية التهمة بالرجوع الى آراء المختصين من العلماء و الباحثين، فتيقنت بأن التهمة عارية من الحقيقة و الانصاف، و أن الامام الغزالي رحمه الله كان يحترم العلوم بكل وضوح. و اليكم خلاصة بحثي و المراجع التي استندت عليها.

سؤال البحث: هل كان الامام أبو حامد الغزالي يحارب العلوم الطبيعية كالرياضيات، و هل كان بذلك سبباً في إنحدار الحضارة الإسلامية؟

إنه أَبْو حَامِدْ مُحَمّد الغَزّالِي الطُوسِيْ النَيْسَابُوْرِيْ الصُوْفِيْ الشَافْعِي الأشْعَرِيْ، أحد أعلام عصره وأحد أشهر علماء المسلمين. ولد في مدينة طوس الإيرانية عام ٤٥٠ هجرية، و توفي في مسقط رأسه عن عمر يناهز الخمسة و الخمسين.

في المقطع الأول و هو بعنوان "لم يكن أبو حامد الغزالي سببا في إنحدار العلم الإسلامي كما ادعى نيل ديغراس تايسون"، يرد الدكتور جوزيف لومبارد (Joseph Lumbard) و هو استاذ العلوم القرآنية، على زعم عالم الفلك الأمريكي نيل ديغراس تايسون (Neil Tyson) بأن الغزالي كان سببا في إنحدار العلوم و الحضارة الإسلامية لإيمانه بأن الرياضيات من عمل الشيطان! و يرفض الدكتور لومبارد رأي الدكتور تايسون لسببين:

الأول، أن الامام ابو حامد الغزالي لم يقل بأن الرياضيات من العلوم الشيطانية!

ثانيا، لم تنحدر العلوم الحسابية و لم تتأثر علم الرياضيات سلباً بعد وفاة الامام الغزالي كما يدعى نيل تايسون، فالعصر الذهبي للعلوم الفلكية في العالم الإسلامي بدأ بعد وفاة الامام الغزالي في القرن الثاني عشر، إذ تأسست أعظم المراصد الفلكية الإسلامية في القرنين الثالث عشر و الخامس عشر، كالذي في مراغة و سمرقند.

إذاً، ماذا قال الامام الغزالي في شأن الرياضيات؟

للرد على هذا السؤال، يستند الدكتور لومبارد الى كتاب الامام الغزالي "إحياء علوم الدين" و يقرأ في المجلد الأول و بالتحديد في كتاب العلوم، ترجمة الدكتور Kenneth Honerkamp’s، الصفحة ٣٨:

"As for the praiseworthy disciplines, such as medicine and mathematics, they are associated with worldly benefits, and that category is divided into those that become a communal obligation (فرض الكفاية) and those that are of great merit but are not an obligation"

ترجمة ما سبق: "أما التخصصات الجديرة بالثناء، مثل الطب و الرياضيات، فهي مرتبطة بفوائد دنيوية، وتنقسم هذه الفئة إلى تلك التي تصبح فرض الكفاية، و تلك التي لها ميزة كبيرة ولكنها ليست فرضاً"

و عليه، يستنتج الدكتور لومبارد بأن: الامام الغزالي يعتبر علم الرياضيات فرض كفاية، و هذا دليل على اعتقاده بضرورته و اهميته في الحضارة الإسلامية. بل يستمر الامام الغزالي ليقول بأن لولا علماء الرياضيات، لعَمَّت الشدائد و المعاناة في المجتمعات. لذلك، يرى الامام الغزالي أن علم الرياضيات فرض كفاية و حاجة ماسة. كما يذكر الامام الغزالي في الصفحة ٥٦ من النسخة المترجمة لكتاب "إحياء علوم الدين":

Its a praiseworthy discipline, but nonetheless if you fear that somebody will exceed the bounds in it, they should be prevented from studying it.

ترجمة ما سبق: "إنه علم جدير بالثناء، ولكن مع ذلك إذا كنت تخشى أن يتجاوز شخص ما الحدود فيه، فيجب منعه من دراسته"

و يعلق الدكتور لومبارد على الفقرة السابقة قائلاً: هنا، لا يُضيِّق الامام الغزالي النطاق على علم الرياضيات بذاته، لأنه يقول هذا في شأن كل العلوم التي يمكن إساءة إستعمالها لجلب الفساد للذات أو للمجتمع. في الحقيقة، الامام الغزالي لم يتطرق كثيرا لعلم الرياضيات بقدر ما حذر من إساءة استعمال العلوم الشرعية، أي أن الامام الغزالي كان يدافع عن نقاوة العلوم.

و لم يقبل المجتمع العلمي كل ما قاله الامام الغزالي، فقد كانت البيئة العلمية آن ذاك نشطة و حية، فكثرت فيها المناظرات و الحوارات العلمية التي عارضت أفكار و آراء الامام الغزالي، و الكثيرين إختلفوا معه، و المجتمع لم يتبع كل ما كان يقوله الامام الغزالي، و هذا خلاف ما يتوهمه أمثال نيل ديغراس تايسون.

و يستمر الدكتور لومبارد ليقول: و لا يوجد في الموارد التاريخيه ما يثبت إدعاء البروفيسور تايسون في أن العلوم واجهت إنحداراً و إنكساراً من بعد الامام ابو حامد الغزالي و بسبب أفكاره. فالعلم في العالم الإسلامي إستمر في النمو الى عهد الخلافة العثمانية. ثم إن أتباع الامام الغزالي أمثال عمر الخيام، نشر كتباً رياضية عن الجبر و تم تدريسها لعدة قرون. كما دافع نصير الدين الطوسي عن افكار الامام الغزالي، و هو من أهم علماء الفلك في التاريخ، و هو من أقنع الحاكم أن ينشأ مرصد مراغة الفلكي و أصدر ١٢٥ مذكرة في الفلسفة و العقيدة و العلوم و الرياضيات .. الخ. و الطوسي هو من كتب ٥ مجلدات في الرياضيات، و إستمر العلماء في التعليق على مذكرات الطوسي الفلكية الى القرن السادس عشر، و العالم عبدالعلي البرجندي كان من أشهر من علق على كتب الطوسي في كتابه الذي أسماه "التذكرة في علم الهيئة" و كانت تدرس الى القرن السابع عشر. و استمرت ثقافة بحوث الرياضيات و الفلك، و كان علي القشجي أول من برهن رياضيا على دوران الارض، و بدأ عمله من المرصد الفلكي في سمرقند ثم انتقل الى الإمبراطورية العثمانية و كان فعالا و مؤثرا و له طلاب كثر، و ترجمت أعماله الرياضية و الفلكية في عام ١٦٥٠ الى اللغة اللاتينية و كانت تدرس في الغرب اللاتيني. و هكذا، إستمرت العلوم الطبيعية في النماء من بعد الامام الغزالي. و عليه، يستنتج الدكتور لومبارد أن ما يدعيه نيل تايسون مجرد قصة متداولة و ملائمة، و لا تستند الى دلائل تاريخية.

و في المقطع الثاني و هو بعنوان "هل كان الغزالي سببا في إنهيار الفلسفة و العلوم؟"، يؤكد الباحث فرانك غريفل (Frank Griffel) في بحثه الجادAl-Ghazali's Philosophical Theology، بأن الامام أبو حامد الغزالي لم يكن سبباً في إنحدار العلوم و القضاء على الفلسفة، كما هو شائع. و في الدقيقة ١١ من المقطع، يقول فرانك غريفل:

"The other thing that fascinated me is that Al-Ghazali thought about sciences in a very very modern way. This was certainly a surprise to me, but it was more of a surprise to those who always thought that Al-Ghazali was one of the people who had destroyed the sciences in Islam. I think nothing is further from the truth. In fact, he is someone who supported the sciences, who wanted to find the cosmology that actually leads to first of all acknowledging God as the creator of the world, but also in helping the scientists to pursue the sciences. So in a nutshell, I might say he thought in his cosmology (that did not have the Big-Bang) but if we would translate his cosmology to the Big-Bang as God the creator of the Big-Bang, God created the Big-Bang and from that moment on all the causes and effects that have unfolded since then was necessity, are meditated God creation. In this case, God deliberately choose, one might say, how to create the Big-Bang and everything that has happened since then is in this case a casual affect of this one event that God actually put in this world, which I thought was a very fitting way for a theologian to think about this universe."

ترجمة ما سبق: "الشيء الآخر الذي أبهرني هو أن الغزالي نظر في العلوم بطريقة حديثة جدا. كانت هذه بالتأكيد مفاجأة بالنسبة لي، لكنها كانت مفاجأة أكبر لأولئك الذين اعتقدوا دائما أن الغزالي كان أحد الأشخاص الذين دمروا العلوم في الإسلام. أعتقد أن لا شيء أبعد من ذلك عن الحقيقة.  في الواقع، إنه شخص دعم العلوم، وأراد أن يجد علم الكونيات الذي يؤدي إلى الاعتراف أولا وقبل كل شيء بالله كخالق للعالم، ولكن أيضا أرد تمكين العلماء من متابعة تلك العلوم. لذلك، و باختصار، قد أقول إنه اعتبر في علم الكونيات الخاص به (الذي لم يشمل الانفجار العظيم) ولكن إذا ترجمنا علم الكونيات الخاص به إلى الانفجار العظيم باعتباره الله خالق الانفجار العظيم، فقد خلق الله الانفجار العظيم ومنذ تلك اللحظة، كانت جميع الأسباب والآثار التي تكشفت منذ ذلك الحين ضرورية و من خلق الله. في هذه الحالة، يختار الله عمدا، كما يمكن للمرء أن يقول، كيفية خلق الانفجار العظيم وكل ما حدث منذ ذلك الحين هو في هذه الحالة تأثير عرضي لهذا الحدث الوحيد الذي وضعه الله فعلياً في هذا العالم، و الذي اعتقد أنه طريقة مناسبة جدا لعالم الاهوت للتفكير في هذا الكون"

و في المقطع الثالث نشاهد محاضرة في المنتدى الإسلامي بالشارقة بعنوان "تهافت الفلاسفة أ. د. فتحي الزغبي"، حيث ينفي المحاضر أن يكون الامام الغزالي سبباً في انحدار الحضارة الإسلامية بسبب معاداته للعلوم الطبيعية كالرياضيات. يقول الاستاذ و الدكتور فتحي الزغبي:

الامام الغزالي لم يؤلف كتابه و لم يتكلم في الفلسفة الا بعد أن أصبح مختصا في الفلسفة، و بلغ درجة أعلام الفلسفة، كإبن سينا. و بهذا، وضع الامام الغزالي لنا منهجا لنتمثل به، و هو وجوب التخصص و التعمق في العلوم حتى يساوي الباحث مرتبة أعلام المذهب قبل التكلم في المذهب. لذلك، تخصص الامام الغزالي في علوم الطالبين للحقيقة، كعلم الكلام، الفلسفة، الباطنيه و الصوفية. و في هذا الصدد، يقول الامام الغزالي في النهاية: "فعلمت أن رد المذهب قبل فهمه و الاطلاع على كنهه، كأن إنساناً يرمي و هو أعمى".

و عليه، كان الغزالي أول من شن هجمة منظمة على الفلاسفة، فدرس الفلسفة في ثلاث سنوات، و قبل أن يؤلف كتاب "تهافت الفلاسفة" ألف كتاب "مقاصد الفلاسفة" ليثبت بذلك بانه أصبح من المؤلفين و المختصين في علم الفلسفة. و قسم الامام الغزالي الفلاسفة الى ثلاثة أصناف:

الاول، الدهريون، و هم من ينكرون الصانع أو الخالق و الآخرة.

الثاني، الطبيعيون و هم ينكرون اليوم الآخر.

الثالث، الإلهيين أمثال سقراط و ارسطو (المعروف بالمعلم الاول).

الامام الغزالي ترك الدهريون و الطبيعيون و ركز على الالهيين، لأنهم أكثرهم خطورة و فتنة. فالأنسان لن يتأثر و ينخدع بما يقوله الدهريين و الطبيعيين، ولكنه ينخدع بالالهيين الذين يزعمون أنهم يؤمنون بالاله و لكنهم يناقضون العقائد و التشريعات.

و الفلسفة في زمن الامام الغزالي كان معروفاً بأم العلوم أو شجرة العلوم، بمعنى أن الفيلسوف كان عالما في الطب و النفس و الاجتماع و الفلك و الرياضيات و الفقه و القضاء، أو كل ما يتعلق بالله و العالم و الإنسان. لذا، قسم الامام الغزالي هذه العلوم الى ستة أقسام: الرياضيات، المنطقيات، الطبيعيات، الالهيات، السياسيات و الخُلُقيات. و اعتبر أقسام كثيرة من هذه العلوم لا علاقة لها بالدين و لا تصطدم بالدين. ثم انتقد اؤلئك الذين إعتبروا إنكار هذه العلوم خدمة دينية و نصرة للإسلام. فعلى سبيل المثال، قال أن العلوم الرياضية لا تتعرض للدين و لا يتعرض الدين لها، لا بالنفي و لا بالاثبات.

لكنه ذكر أن هناك آفتين تولدتا من تجمع هذه العلوم النقية تحت مظلة واحدة (الفلسفة)، و الآفتان هما آفة في حق القابل لتلك العلوم و آفة في حق الراد لتلك العلوم:

أما آفة القابل للعلوم يكون في أن يرى ما في الرياضيات من توثيق للبراهين، و من ثم يعتبر كل ما يقوله الرياضي (الفيلسوف) في الالهيات أيضا صحيح و دقيق، و هذه فرضية لا تصح. و مثله في ذلك كمثل من ينظر في عصرنا إلى الطفرة العلمية و الفنية في أوروبا و امريكا و الغرب بشكل عام، و من ثم يعتبرهم أيضا على حق في الدين و الأخلاق، و هذه فرضية لا تصح.

أما الذين إبتلوا بآفة الراد للعلوم، فسماهم الامام الغزالي "الصديق الجاهل للاسلام"، و هو من يزعم بوجوب إنكار هذه العلوم و يظن بذلك أنه ينصر الدين، و مثله في ذلك كمثل من ينكر في عصرنا علم النفس و علم الاجتماع بحجة أنها علوم غربية كافرة و ينبغي التخلص منها. و هذه أيضا فرضية خاطئة و خطيرة، فلا يمكننا أن نرفض كل العلوم الغربية من غير دراسة و تفحص، لنرفض ما يخالف الدين بعلم و فهم. و كأن الامام الغزالي كان يقول، أن الحاذق في صناعة واحدة ليس يلزم أن يكون حاذقا في كل الصناعات. فتقدم الغرب في العلوم لا يدل على تقدمهم في الأخلاق و الالهيات و الأديان. يقول الامام الغزالي في كتابه المنقذ من الضلال "عظم على الدين جناية من ظن ان الاسلام يُنصَر بانكار هذه العلوم" (و هذا يؤكد بأن الامام الغزالي كان يسعى لتمكين العلماء من الإستمرارية و السعي في ممارسة العلوم الطبيعية، كما قال فرانك غريفل).

و يرى الامام الغزالي أن الأخطاء و الأغاليط حصلت عندما أدخل الفلاسفة أنفسهم في أمور الالهيات النظرية و تكلموا بالاوهام. فألف الامام الغزالي كتابه "تهافت الفلاسفة" و قرر أن يركز فيه على آراء إبن سينا و الفارابي و معلمهم الأول أرسطوا، و حدد بذلك الكلام بهم فقط من باب الاختصار. و لذلك، قال الإمام الغزالي "لو كانت علومهم الالهية متقنة البراهين، نقية عن التخمين كعلومهم الحسابية و المنطقية، لما اختلفوا فيها كما لم يختلفوا في الحسابية و غيرها".

و عليه، قسم الامام الغزالي الفلسفة الى ثلاثة أقسام، ترك منها قسمان و هما القول بالجوهر و ممارسة العلوم الطبيعية. لذلك، لم يحارب العلوم الطبيعية و لم يجدها تعارض الشرع، بل يقول في كتابه "أعظم ما يفرح به المُلحده، أن يصرح ناصر الشرع بأن هذا و أمثاله على خلاف الشرع". و إنما ركز بحثه في القسم الثالث، و هو النزاع في أصل من اصول الدين، كالقول في حدوث العالم و صفات الصانع و بيان حشر الأجساد و الأبدان و غير ذلك من الأمور الالهية. و قسم الامام الغزالي مجموع ما أخطأوا به الفلاسفة في الالهيات الى عشرون أصلاً، و أوجب تكفيرهم في ثلاثة و تبديعهم في سبعة عشر، و صنف كتابه "تهافت الفلاسفة" لإبطال تلك المذاهب و الاصول. أما الامام ابن تيمية، فقد أتى من بعده و كفَّر عشرة من تلك الاصول.

و رغم أنه كان أشعرياً، إلا أن الامام الغزالي قرر أن يواجه هذه المذاهب الفلسفية كمسلم سني، فاستعان في مواجهته للفلاسفه بأسلحة و مناهج جميع الطوائف السنية، بما فيهم خصومه من المعتزلة. فقد كان يرى خطورة الفلاسفة تهدد الدين و جميع المنتسبين اليه، و قال في هذا الصدد "فأنا لا أدخل عليهم الا دخول مطالب منكر، فأكدر عليهم ما اعتقدوه، فالزمهم تارة مذهب المعتزلة و طورا مذهب الواقفة، و مذهب الكَرَّامية و غيرها، و لا انتهض ذاباً عن مذهب مخصوص، بل أجعل جميع الفرق إلباً واحدا عليهم. فإن سائر الفرق ربما خالفونا في التفاصيل، و هؤلاء (الفلاسفة) يتعرضون لأصول الدين. فلنتظاهر عليهم، فعند الشدائد تذهب الأحقاد".

كما ذكرنا، اوجب الإمام الغزالي تكفير ثلاثة اصول في الفلسفة:

الأمر الاول، إنكار حشر الأجساد، و قالوا ان الجنة و النار و الأنهار و الثمار و غيرها مجرد أمثلة ضربت لعوام الناس للتخويف و الترغيب فقط، و لا وجود للجنة و النار. و ابن سينا كان يعتقد باللذة و العقاب المعنوي و ليس الحسي. و هذا الفكر منشأه ما قاله أرسطوا عن قدم العالم و الذي يعني ازلية العالم، أي أن العالم مستمر للأبد و لن ينتهى بيوم اسمه القيامة. و إبن سينا يقول بأن الانبياء اضطروا أن يكذبوا من أجل مصلحة العوام، و ذلك لعجز العوام عن فهم و تقبل العالم المعنوي. و هذا يفسر تصريح إبن سينا في بعض كتبه عن البعث جسديا، و أنه كان يكذب على العوام من أجل مصلحتهم، و هذا يتضح من خلال مخطوطة له اسمها "الاضحوية في المعاد" يصرح فيها إبن سينا للخواص بلا مواربة، انكاره للبعث و الجزاء الجسماني. و لهذا يعاتب إبن الرشد الامام الغزالي في كتابه "تهافت التهافت" بأنه كشف امورا لم يصرح إبن سينا بها للجمهور. و هذه الأفكار تخالف العقيدة الإسلامية التي تتكلم عن الحياة روحاً و جسداً بعد الموت و عن ما لا عين رأت و لا أذن سمعت و لا خطر على قلب بشر، و آيات حسية و صريحة كالتي تقول {كُلَّمَا نَضِجَتۡ جُلُودُهُم بَدَّلۡنَـٰهُمۡ جُلُودًا غَیۡرَهَا لِیَذُوقُوا۟ ٱلۡعَذَابَۗ} سورة النساء الآية ٥٦.

الأمر الثاني، أن الله يعلم الكليات دون الجزئيات، و في هذا تقليد لأرسطوا الذي كان يتصور الإله بأنه عاطل و أنه المحرك الذي لا يتحرك و أنه لا يعلم شيئاً، و هو أشبه بالملك الذي يملك و لا يحكم، فأنزلوا الله منزلة الجاهل و العياذ بالله. و يقول أرسطوا أن الله عاقل و معقول، فلا يعقل الا نفسه، و العياذ بالله. و إبن سينا كان يقول بأن الله يعلم الاشياء علما كليا و لا يعلم بالجزئيات، و أن الله يعلم أن هناك اناس ولكنه لا يعلم بحال زيد و خالد و عمر، و أن الله لا يعلم إن كان خالد يعبده ام لا، و أن الله يعلم أن هناك أنبياء ولكنه لا يعرف أن هناك محمد و عيسى و نوح .. الخ. و هذا الفكر يخالف العقيدة الإسلامية التي تقول بأن الله هو من يدير الكون و يعلم كل التفاصيل، كحركة النملة السوداء على الصخرة السوداء في الليلة الظلماء.

الامر الثالث، القول بقِدَم العالم، أي أن الله يتقدم على العالم بالرتبة و ليس بالزمان، و كان أرسطوا يؤمن بأن الله لم يخلق العالم، و هذا يخالف العقيدة الإسلامية و التي تقول بأن العالم لم يكن، و خلقه الله بأمره من العدم، و ذلك بأن يقول كن فيكون. و سَلِمَ فيلسوف العرب و اول فلاسفة المشرق يعقوب بن إسحق الكندي من التكفير، إذ خالف أرسطوا و قال بحدوث (خلق) العالم.

أما الفارابي و إبن سينا فقالا بقدم العالم و حاولا تفسير القدم بما لا يتنافى مع العقيدة الإسلامية، ولكنهما كانا في الأصل مؤمنين بما قاله أرسطوا. و إبن الرشد أكد في مناقشته للغزالي أن الفارابي و إبن سينا أتوا بكلام أضر بالفلسفة، و كان إبن الرشد مخالفاً تماما معهما في هذه القضية. فجاء تهكم الغزالي و نقده اللاذع لهما علاجاً لعقول كانت قد خضعت لتلك الافكار الركيكه.

و البعض دافع عن الفارابي و إبن سينا بحجة أن ما قالاه كان تنزيها لله و ليس زندقة، و ربما لو عاصرا الامام الغزالي و وجدا مثله من يبين لهما، لربما رجعا عما قالاه. لكن لم يرد عليهما احد في عصورهم،  فاعتقدا أن رأيهما هو الصحيح. بالضبط كما فعل الخليفة العباسي المأمون، الذي اعتقد أن موقفه من خلق القرآن كان نصرة للدين، لدرجة انه اوصى بها أخاه، و الاخير أوصى بها إبنه، الى أن أتى المتوكل على الله و رفض أن يستمر في نهج من كان قبله.

و يذكر الاستاذ الدكتور فتحي الزغبي اثناء المناقشة أن كتاب التاريخ لابن خلكان ذكر أن إبن سينا تاب الى الله في آخر عمره و تصدق بكل ما يملك و اعتق كل مماليكه، و صار يختم القرآن كل ثلاثة أيام. و لذلك،  توقف الامام الذهبي عن تكفيره بسبب ما أثر عنه، ولكن لابد من تكفير الاراء الصريحة و المخالفة للشريعة و العقيدة. أما الأشخاص فامرهم الى الله.

و يمكننا أيضا أن نعذر أرسطوا الذي عاش عصرا كانت الديانة اليونانية تتكلم عن الالهة و زوجاتهم. و عليه، يعتبر ما قاله في ذاك الوسط الوثني شيئا قيما.

و الامام الغزالي كان يقصد بكتابه "تهافت الفلاسفة" أن يقول لهم: استخدموا عقولكم في الرياضيات و غيرها من العلوم، لكن لا تستخدم عقلك في الالهيات الا بفهم الشرع، لأنه تَمَسُّكٌ بالعقل في غير ميدانه. و الكثيرين من الفلاسفة انتهوا الى ما انتهى اليه الغزالي، و منهم ديكارت و هو أبو الفلسفة الحديثة. إذاً الغزالي ليس بدعا في الاولين و لا في الاخرين، اذا هاجم هذا النوع من الفلسفة. و الإمام الغزالي ازال القدسية عن الفلسفة، و لم تعد الفلسفة الوثن الذي يُرهَب و لا يُمَس، و وضع الفلسفة في قفص الاتهام و اضطرها أن تقف موقف الدفاع بعد أن كانت في موقف الهجوم.

و ننهي هذا البحث بالمقطع الخامس و هو بعنوان "لماذا خسر المسلمون الحضارة العربية | بودكاست فنجان"، حيث يبين الدكتور جورج صليبا السبب الحقيقي الذي أدى الى تراجع الحركة العلمية في الحضارة العربية و الاسلامية. الدكتور صليبا مفكر لبناني الأصل مقيم بالولايات المتحدة الأمريكية، و هو أستاذ للعلوم العربية و الإسلامية في جامعة كولومبيا، نيويورك، بالولايات المتحدة الأمريكية منذ عام ١٩٧٩، و له عدة كتب وأبحاث حول تاريخ العلم العربي. يقول الدكتور صليبا و بالتحديد في الساعة/الدقيقة ١:٢٥:

عند البحث عن الأسباب التي أدت الى تراجع الحركة العلمية في الحضارات الشرقية (و منها الحضارة العربية و الاسلامية) و انتعاشها في الغرب، لابد أن نوافق على تفسير آدم سميث (Adam Smith) و هو أب الاقتصاد الحديث. و يجيب آدم سميث على السؤال بالنظر في أحداث القرن الخامس عشر الميلادي، و بالذات في اكتشاف أمريكا و اكتشاف طريق بحري جديد و بديل للطريق البري القديم (طريق الحرير)، يوصل الى خيرات الهند و الصين بالالتفاف بحرا على القارة الافريقية. هذه الاكتشافات حولت مسار حركة التجارة التي كانت عبر البلدان العربية و الاسلامية براً الى مسار بديل عبر البلدان الأوروبية و المسيحية بحراً. و تسببت هذه التحولات في الخطوط التجارية في تدهور و ركود اقتصاديات الحضارة العربية و الاسلامية و افتقارها، إذ أدت تلك التحولات الى التقليل من التجارة و من ثم التقليل من واردات أموال الضرائب. عندها و لسوء الاوضاع الاقتصادية، أصبح من الصعب على الحضارة الاسلامية الشرقية أن تستمر في تمويل المؤسسات العلمية، و ليس بسبب الاسلام كدين أو كتاب "تهافت الفلاسفة" (لا الفلسفة) و الذي الفه الامام الغزالي في القرن الثاني عشر الميلادي. كيف يمكن أن نتهم الامام الغزالي بالتسبب في تراجع الحركة العلمية، و نحن نعلم بأن المؤسسات العلمية بقت منتعشة لقرون عدة من بعد الامام الغزالي من خلال العديد من المراكز العلمية و على يد العديد من العلماء، و منهم شمس الدين الخفري؟!

و يضيف الدكتور جورج صليبا بأن ما يؤكد على براءة الاسلام و الامام الغزالي من تهمة التأثير سلباً على الحركة العلمية، هو أن تغيير حركة التجارة و ما يصاحبه من الركود الاقتصادي قد ضربت حضارات شرقية أخرى كالهندية و الصينية، و كانت علومها في القرن الخامس عشر عريقة و منافسة للعلوم العربية و الأوروبية، و لم يكن للامام الغزالي تاثير عليهم. و هذا يؤكد على أن الذين يتهمون الاسلام كدين او الامام الغزالي بالاضرار بالحركة العلمية إنما يعانون من التعصب الأعمى، و يُقَيِّمون علاقة الاسلام بالعلم بمقياس أوروبي ضيق من خلال مقارنتها بالعلاقة المتدهورة بين الكنيسة و العلم. هذا هراء! و الحقيقة أن هناك علاقة قوية بين الاوضاع الاقتصادية و العلم، و أن إذا توقفت التجارة فستتوقف استدرار الأموال، و عندها يتوقف الدعم الفكري و الصناعي و غيرها من الامور التي تتسبب في الانحدار.

و بالرغم من كل ما سبق، قد يقول قائل:

إفتح صفحة غوغل و أكتب: حكم دراسة الفلسفة. ثم ادخل على الصفحات التي تحرم الفلسفة، و ستجد ان رأي الغزالي و تأثيره على المسلمين لا يزال ساري المفعول الى الان. فكيف بعد هذا يمكن ان يُقال ان الغزالي لم يكن سببا في تخلف المسلمين وتراجعهم في العلوم الطبيعية؟

اقول: لو عملنا بمنهجيتك و فتحنا صفحة غوغل و كتبنا "الإرهاب الاسلامي"، فسنجد القرآن و الرسول صلى الله عليه و سلم، من اشهر مصادر الإرهاب في العالم. فهل ستعتمد انت هكذا نتائج؟!

ام انك ستطالب الباحثين في الإرهاب بالحياد، و بأن يقرؤا القرآن و سيرة المصطفى صلى الله عليه و سلم، و من ثم يحكموا اذا كانا من مصادر الارهاب ام لا؟!

كنت أظن أن الحكم على الإمام الغزالي رحمه الله يكون فقط بالاستناد الى ما كَتَبَهُ الغزالي في كُتُبه، و ليس ما يدعيه الغوغاء على الإنترنت!

فمن ينتهج هذا النهج، سيجد في كتب الامام الغزالي نصوصاً صريحة في احترامه للعلوم الطبيعية، بل و اعتبارها "فرض كفاية". و تلك النصوص الصريحة تغنينا عن الكثير من الآراء الشخصية التي يُغرِقُ بها الرعاع شبكة الإنترنت!

الامام الغزالي رحمه بريء عن ما ينسبه اليه الأعداء، الأصدقاء و غوغل من تهمة محاربة العلوم الطبيعية، تماما كما أن القرآن و الرسول صلى الله عليه و سلم بريئآن من ما ينسبه اليهما الأعداء، الأصدقاء و غوغل من تهمة الارهاب!

فمنذ ان تصديت لمعرفة حقيقة موقف الامام الغزالي من العلوم الطبيعية، واجهت علماء ثقات من مختلف الثقافات و الاثنيات، ينقلون نصوصاً صريحة من كتب الامام الغزالي مباشرة، يرفع بها الامام من شأن العلوم الطبيعية، بل يعتبرها "فرض كفاي.

أبعد هذا، تتوقع أن أصدق إفتراءات على الإنترنت مصدرها المستشرقين، و تتهم الأمام الغزالي بمحاربة العلوم الطبيعية؟!

ثق تماماً بأن ما يشجع فرسان غوغل الشجعان على التسرع في اتهام الامام الغزالي، هو علمهم بانهم في امان من المساءلة القانونية. أقسم بالله العظيم، لو اصبح كل من يكتب عن الامام الغزالي على الإنترنت عرضة للمساءلة القانونية و غرامة قدرها مليون دولار أو سجن لفترة ٢٠ سنة، لمسح كل الطاعنين في الامام الغزالي ما كتبوه على الإنترنت، إلا من رحم ربي!

و قد يقول القائل:

ان الغزالي لم يكن شخص عادي يعبر عن رأيه في كتاب او مقال، و انما شخص ذو سلطة دينية و علمية واسعة النطاق، لذا فإنه من المغالطة ان يقول قائل ان الغزالي لم يجبر احد على تبني اراءه!

اقول: بعد الاطلاع على أفكار الامام الغزالي المنصوصة في كتبه، تبنى علماء كثر (في عصرنا) من مختلف الثقافات و الاثنيات افكار الامام الغزالي، و على خطاهم تبنيت شخصيا أفكار الامام الغزالي. فهل اجبرنا الامام الغزالي رحمه الله على تبني آرائه؟ حدث العاقل بما يعقل!

فقياساً بالحاضر، انا على يقين بأن الغالبية العظمى من العلماء و المثقفين المحايدين في زمانه اقتنعوا مثلنا بآراء الامام الغزالي المتينة و المحكمة، من دون ضغوط، بل المغالطة أن ندعي عكس ذلك.

و ربما اضطر فلاسفة اللاهوت (الكهنة) على السكوت بعد أن اثبت الامام الغزالي تفاهتهم. ولكن هذا لا يعتبر إسكات لفلاسفة العلوم الطبيعية. فشتان بين علماء العلوم الطبيعية الأجلاء ممن عكفوا على الحساب و القياس، و كهنة تكلموا في اللاهوت على خطى فلاسفة اليونان و ضرباً بالغيب.

و قد يقول القائل:

تدعون ان الغزالي حرم الفلسفة فقط. هذا الكلام نابع عن عدم درايتكم بطريقة التعليم في ذلك الزمن. فالفلسفة كانت المدخل لكل العلوم. فلم يكن ممكناً أن تدرس الرياضيات و الفيزياء و الفلك و غيرها من العلوم الطبيعية قبل ان تدرس الفلسفة و المنطق، وتعرف اراء من سبقك من كبار الفلاسفة كابن سينا و الفارابي و ارسطو!

اقول: قد شطرت الذرة يا شاطر!

ليس سراً ان الفلسفة في زمن الامام الغزالي كانت تشمل العلوم الطبيعية كالرياضيات و الفيزياء و الطب و الفلك، ولكنها كانت تشمل أيضا علم اللاهوت. و قد تعلمت هذا من كل الباحثين المحايدين، و الذين برَّؤا الامام الغزالي من تهمة معاداة العلوم الطبيعية.

إن ظنك بان غيرك لا يعلم حدود علم الفلسفة قديماً دليل على انك بنيت قناعاتك الشخصية من غير ان تسمع لانصار الامام الغزالي، و هذا بعيد كل البعد عن الحياد العلمي.

اكرر، كل من يدرس فكر الامام الغزالي بحياد، سيرى بكل وضوح بأن الامام فرَّق بين البحث في العلوم الطبيعية الجميلة و البحث في علم اللاهوت.

و يقد يقول القائل:

الغزالي كفَّرَ الفلاسفة في مسائل خالفهم فيها!

اقول: الامام الغزالي لم ينكر الفسلفه بشكل عام و لم يحرمها، و انما اثبت فشل الفلاسفة و تناقض آرائهم فيما يتعلق باللاهوت، و ما عدا ذلك لم ينكر اي شي منها. تهافت الفلاسفة هو كتاب الإمام الغزالي، و اعتبر البعض هذا الكتاب ضربة لما وصفه البعض باستكبار الفلاسفة و ادعائهم التوصل إلى الحقيقة في المسائل الغيبية بعقولهم. فقد أعلن الامام الغزالي في كتابه "تهافت الفلاسفة" فشل الفلسفة في إيجاد جواب لطبيعة الخالق، و صرح أنه يجب أن تبقى اهتمامات الفلسفة في المسائل القابلة للقياس و الملاحظة، مثل الطب و الرياضيات و الفلك. و اعتبر الامام الغزالي محاولة الفلاسفة في إدراك شيء غير قابل للإدراك بحواس الإنسان منافيا لمفهوم الفلسفة أساسا!

و قد يصر القائل و يستنتج:

ابو حامد الغزالي كان كارثة ضربت العلوم الانسانية في العالم الاسلامي بمقتل عظيم!

اقول: بل الكارثة اخي الفاضل أن تصر على إتباع قطيع المستشرقين و تخوض في ذمة العلماء مع الخائضين، و تضرب بما نصه الامام الغزالي في كتبه عرض الحائط!

و بعد كل هذا، إن كنت ما زلت مصراً على إتهام الامام الغزالي بمعاداة العلوم الطبيعية، فلا بد أن أسألك: لماذا تكره الامام الغزالي؟!

و يبقى الامام الغزالي بشرا و مجتهدا، يخطأ و يصيب، و يبقى إتهامه بالتسبب في تراجع العلم في العالم الإسلامي بسبب تحريمه للعلوم و الرياضيات، جوابا مريحا بالنسبة للكثيرين، و إن كان بلا أساس.

المقطع الاول: "لم يكن أبو حامد الغزالي سببا في إنحدار العلم الإسلامي كما ادعى نيل ديغراس تايسون"، يرد الدكتور جوزيف لومبارد (Joseph Lumbard)

https://youtu.be/5SAMmaSYjYc

المقطع الثاني: "هل كان الغزالي سببا في إنهيار الفلسفة و العلوم؟"، يؤكد الباحث فرانك غريفل (Frank Griffel) في بحثه الجاد Al-Ghazali's Philosophical Theology

https://youtu.be/ntACcOAu04M

المقطع الثالث: "تهافت الفلاسفة أ. د. فتحي الزغبي" 

https://youtu.be/QYGQOAaJBGU

المقطع الرابع: "تهافت الفلاسفة أ. د. فتحي الزغبي"

https://youtu.be/xBGNP6hV3Og

المقطع الخامس: "لماذا خسر المسلمون الحضارة العربية | بودكاست فنجان" جورج صليبا

https://youtu.be/Sl24jUcidN8

رحم الله الامام الغزالي و علماء المسلمين!

URL copied to clipboard!